بين الطفل والعجوز شبهُ حكاية!!
29 أغسطس 2010أشعرأحياناً أنّ بداخلي يسكن عجوزاً جاوز القرن من عمره فلا يستطيع الإتكاء على عصىٍ حتى..,ولا يستطيع قراءة الكلمات حتى إن إستخدم نظارات سميكة محاولاً تثبيتها بين الحين والآخر على طرف أنفه أو مسح عدساتها بطرف ثوبه ظناً منه أنها قد علاها الغبار وضللتها الأتربة.., وبين الحين والحين أيضاً يرفع يده المتيبسة النافرة العروق ليدلك كتفه ورقبته ويحركها يمنةً وشمالا.., أو ليثبّت الخصلات الطائرة المتبقية من شعره.., أراه يملك محبرةً قديمة فهو لا يحب تجاوز عصره كثيراً..ويغرف الحبر منها ليسكبه على ورقٍ ملأته السنون ثقوباً..,وبيديه الراجفتين يرسمُ خطاً كالذبذبات علواً وهبوطاً.., فإن أنهكه ذلك تمدد مسمعاً قرطعات مفاصله ..كأنها عصياً تتكسر..
وإن عدتُ للوجه الآخر وجدتُ طفلا..ربما ذاك هو عقلي.., يحب كثيرا المرح ويملّه سريعاً،،يشعر أنّ ذاك شيئا لابد من تجاوزه نحو واقع ملموس متسع بأشياء أخرى أكثر جدية وحسية.., إذن لا بد له أن يكبر..وبسرعة..،تكبر عقول الأطفال بسرعةٍ تفوق نموهم وترى أحيانا جسداً صغيراً ضئيلاً لكنه يحمل فوق كتفيه آلة عبقرية يحمل في داخلها الحياة كلها موزعاً إياهها على ملفاتٍ عدة جيدة التصنيف وبضغطة حس يستحضر مايريد منها ..أحيانا أشعر أن تلك الآلة التي أحملها(وهي ليست عبقرية)..تتعطل,فأخال نفسي أحمل عدةً كبيرة من مفاتيح وبراغي للفتح والإقفال والتثبيت..والزيت أيضا كي تنساب عاملةً بسلاسة..,أحيانا أنسى أين أضع تلك العدة أو أني أرمي بها لمّا يغضبني التعطل المستمر والمتكرر فأتمنى لو يتم إستبدال تلك الآلة أو تطويرها!
بين الطب والميكانيك لا يوجد الفرق الكثير كما أرى إذ يعملان بديناميكية متشابهة متقاربة..كلٌ منهما يغمس في الأعماق ..والآلات لا تختلف كثيرا..يبقى الجسد الحي هو الإختلاف!
إن عدتُ للطفل مرة أخرى..وللعجوز أيضا ربما إن تقاربا ..يكملان حياة متقاربة أكثر إستقراراً وَ وعيا وتفكيراً جاداً عميقا ًفي الحياة.., يبدوان لي بعض الأوقات كأنهما قطبين متنافرين ووقتاً آخر هما العكس.., أذكرُ جيدا أول تجربة لأول قطعة مغناطيس أمسكتها وأخذتْ تلم بشغف برادة الحديد المتناثرة على الطاولة كنت أحسب ذلك سحرا ًفي صغري .الآن وقد كبرت.. أتمنى لو كان ذاك السحر لازال يسكنني فهو أجمل وأقوى إبداعاً..ويجذب الإنسان الى تفكيرٍ أدق وأدق وأكثر إتساعاً..في كل شيء!
ذلك المغناطيس ربما يكون هو الطفل..هو عقلي،،وبرادة الحديد المتناثرة هو داخلي..هو ذلك العجوز ذي العظام الصدئة والذي يذكرني أيضا..بجمال قطرة الزئبق الساحرة والتي بأول لمسة مني لها بأصبعي الصغير وقتها تناثرتْ..وهربت مني!






